عبد الملك الجويني

329

الشامل في أصول الدين

فنقول : لم زعمتم أن فائدة العروج به ما قلتم ؟ ومن أطلعكم على مراد اللّه ومعلومه ؟ ثم لو جاز ذلك ، جاز إثبات الإله في جهة الطور من حيث آثر موسى بقصده ، وأمّه ليسمع كلامه . ثم لم يدل ذلك على كون القديم في جهة الطور . ثم نقول : بم تنكرون على من يزعم أنه عرج به ليرى ملكوت السماوات ، ومواقع الملائكة وعباداتهم ، وما خصصوا به من ضروب الكرامات ، وليرى الجنة والنار ، والأفق الأعلى ، والروحانيين ، وعباد اللّه الصالحين ، والعرش وحملته إلى غير ذلك مما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فلم قطعتم بمحمل العروج على مقصودكم ، والأفعال لا ظواهر لها ؛ بل هي مترددة كما قدرناه في الإشارة ؟ فإن سألوا عن قوله : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 9 ] . قلنا : ليس في هذه الآية تصريح بذكر الإله ، وإضافة القرب إليه ، فلم ادعيتم أنه سبحانه وتعالى هو المعنى بمضمون الآية ؟ ولم وصفتم ربكم بالحد والمقدار بتوهم منكم وظن ؟ ثم نقول : لعله صلّى اللّه عليه وسلّم قرب من درجة لم يبلغها إلا أرفع الخلائق وأعلاهم شأنا . ثم نقول : الدنو يحمل على القرب والطاعة ، وذكر « قاب قوسين » تأكيدا له . وهو كما حمل قوله : إذا تقرب العبد إليّ ذراعا ، تقربت منه باعا ، على قرب الطاعة والرأفة ، فكذلك القول في هذه الآية . وقد يقول القائل عند ذكره قرب منزلة بعض الأصحاب للملك : إن فلانا مع الملك في قميص واحد . وليس المراد تحقيق هذه الصورة ؛ بل الغرض إيضاح قرب منزلته ، وقد تتناوؤهما الذات ، ويتقاضى بينهما القرار . وهذا كما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يقول اللّه تعالى لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، صرت له سمعا ، وبصرا ، ويدا ، ومؤيدا ، فبي يسمع ، وبي يبصر « 1 » . والمراد بذلك إثبات الزلفة والقربة واقتطاع العبد من ملاحظة الأغيار ، وتجريده للاعتصام بذي الجلال . ولا يقف محصل على ما قدمناه ، إلا تهون عليه مدارك التأويلات في كل ما يسأل عنه . ولكن ما ينبغي أن يلزم اللبيب نفسه أن لا يبدر إلى تأويل كل ما يسأل عنه ؛ حتى تتثبت عنده صحته . فإن الابتدار إلى التأويلات ، اعتراف بتصحيح الحديث ، وليس يحسن في أدب الشرع الاعتراف بما يجوز أن يكون من المناكير ، والأحاديث المختلفة المدسوسة إلى الجهلة من الزائغين . فإذا ثبت عندك حديث بما تثبت به أخبار الآحاد ، كنت بالخيار في تأويله . فقد اشتمل ما قدمناه على إيضاح الأدلة في تقدس الرب سبحانه وتعالى عن أحكام الجواهر وخصائصها . ولم يبق مما يتعلق به إلا

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 403 ، 9 / 610 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 71 ) .